وين زمورن .. وينن ؟؟


علاء شهيب

ينقر زموره المزعج عندما يراك (حتى ولو كنت تسير بالإتجاه المعاكس له)، يستعمل الأضواء (واطي-عالي)، يلوّح بيديه، ويصيح بأعلى صوته: “لوين يا ريّس؟ وين واصل يا معلم؟”. هذا هو المشهد الذي يتكرر معك عندما تسير في بيروت أو صيدا أو مختلف المدن اللبنانيّة، حيث تصادف العشرات (أو بالأحرى المئات) من سيارات الأجرة، وتملّ من الجواب نفسه: شكراً.

تختلف هذه المشهديّة كليّاً بمجرّد أن تعبر جسر الدامور المؤدي الى الشوف، فهناك، وبإنتظار سائق أجرة -قد يأتي يوماً- تتمنى لو أنك ما زلت تسمع ذاك الزمور المزعج وتلك الأسئلة والأصوات المرتفعة، على أن تبقى منتظراً، ربما أكثر من ساعة، كي تجد من يقلّك.

يختلف وقت الإنتظار بإختلاف المنطقة، فإذا كنت من سكان المدن والقرى الممتدة على طول الخط العام فليس هناك من مشكلة حقيقيّة، وبالرغم من غياب وسائل النقل العام، تحلّ الباصات والفانات الخاصة مكانها، بفارقٍ لا يتجاوز العشرين دقيقة بين الباصين. تصل الى مفرق سرجبال – الجاهليّة (محطة الإنتظار الأولى) وهنا يطول انتظارك جداً، حيث تتناوب سيارتان فقط على نقل الركاب طوال النهار، والملفت أنّها سيارات تعمل بأرقام لوحاتٍ خاصة غير عموميّة.

وتروي مياسة أبو دياب، 21 سنة، معاناتها على هذه الطريق بالقول: “من الصعب جداً أن تصل الى الجاهليّة أو باقي المناطق بسرعة، حيث لا يوجد سوى سيارتين تعملان بدوامٍ حرّ غير محدد، ويستحيل وجودهما بعد الخامسة والنصف. هذا بغض النظر عن حالة السيارات المريعة، حيث تمطر داخل السيارة أكثر من الخارج مثلاً” لكنها تردف قائلة :”ولكن رغم كل المشاكل، يبقيان صلة الوصل بيننا وبين المناطق الأخرى”.

ننتقل صعوداً، الى كفرحيم – مفرق المناصف، الوضع هنا مقبول، فهناك باص يعمل بدوام محدد سلفاً وسيارتي أجرة، ولكن حذارِ أن تصل بعد الخامسة والنصف، فعليك أن تنتظر “فاعل خير” ليأخذك بسيارته الخاصة. على بعد أمتارٍ قليلة فقط، تتجلى إحدى أكبر المشاكل: مفرق دير القمر (محطة الإنتظار الثانية)، ربما يطول انتظارك لأكثر من ساعة، في ظلّ وجود باصٍ يمر بإتجاه بتلون ولكن ليس لأكثر من مرتين في اليوم ،وصعوبة العثور على سيارة أجرة، فلا يبقى لك إلاّ أن تنتظر صاحب أخلاقٍ عالية ليقلك الى وجهتك.

تصل الى بقعاتا، هنا تنهي معظم الفانات والباصات رحلتها، وإذا كنت متوجهاً الى المزرعة، المختارة، بطمة وغيرها، عليك أن تتدبر أمرك، أن تتصل بأهلك أو أقاربك ليأخذوك، أو تتحمل الإنتظار الذي يطول ويطول. وتشرح ريم الدبيسي، 20 سنة، من المختارة سكان بطمة، قائلة: “لم أكن يوماً أتنقل بالسرفيس أو الباص، حتى السنة الماضية، حينها اكتشفت المشكلة الكبيرة بوسائل النقل البري، فلكي أصل الى بيتي يجب على أهلي أن يقلّوني من المختارة، وحين دخلت الى الجامعة أصبحت أفضل أن أنتظر ساعة اضافيّة في الجامعة على أن أذهب وأنتظر في بقعاتا، فلا جدوى من الإنتظار.”

تكمن المشكة فعلياً في غياب التنسيق بين قطاعات النقل البري في الشوف، رغم أنه إحصائياً هناك الكثير من سائقي الأجرة المسجلين رسمياً بعدد يفوق بأضعاف العدد الحقيقي الذي يمارس المهنة، حسب ما أدلى به كميل سري الدين، المسؤول عن سائقي الشوف في نقابة سائقي السيارات العموميّة. أمّا السبب الأول والأهم فهو للإستفادة من تقديمات الضمان الإجتماعي التي يحصلون عليها. ولا ينكر كميل سري الدين هذا الموضوع، حيث يقول: “إن الذي يستفيد من تقديمات النمرة ولا يمارس عمله يلاحقه الصندوق الوطني للضمان الإجتماعي – وفيها خربان بيوت -..” ثم يردف قائلاً: “سياسة التجويع التي تعتمدها الدولة عيب. نريد حقنا بتنكة بنزين يومياً وإلغاء الرسوم الجمركية عن السيارات الجديدة لتحسين هذا القطاع.” وعن أسباب قلّة عدد السائقين المتواجدين يقول سري الدين: “كيف لنا أن نعمل وإذا نزلنا من هنا الى بيروت لا نجد راكباً بسبب الباصات التي لا تترك لنا راكباً، وكذلك لا تؤمن البلديات مواقف لنا، ففي بعقلين نقف في السوق وكذلك في بقعاتا”.

يخالفه هذا الرأي بهيج الفطايري، رئيس بلدية الجديدة -بقعاتا، الذي يقول: “نحن نؤمن مواقف للسائقين، ولكنهم لا يستعملونه لأن شعبنا همجيّ وفوضوي بطبعه.. ويضيف: “معظم الناس يشترون النمرة ليستفيدوا من التقديمات لا ليعملوا كسائقين”.

هذه هي الحال، سائقون يتذمرون ويشتكون، رؤساء ومعنيون لا يكترثون، ومواطنون ينتظرون. ويرددون مع “فيروز” بتصرف “وينن.. وين زمورن، وينن؟”

Advertisements

توصيلة في تاكسي لبناني


Alaa Chehayeb | Hibr.me

Alaa Chehayeb | Hibr.me

__________

علاء شهيب
نشرت في: حبر لبناني (إضغط لقراءة المقال في حبر)

تقرر يوماً أن تغادر منزلك، لتختبر رحلة إبن بطوطة التي يقوم بها اللبناني كلّ يوم والتي لا تختلف تفاصيلها مهما كانت الوجهة المقصودة إلاّ بالأسماء والعناوين. هذه المغامرة طبعاً مخصصة لأولئك الذين لا يملكون سياراتت خاصة، كالشباب وطلاب الجامعات وحتى من لا يملك ثمن سيارة (أو ما معو يعبيلا بنزين)، إذ يستقلون وسائل النقل العام والمشترك، كالباص والتاكسي، ليغوصوا في تفاصيل يوميّة لا تزيد همومهم إلاّ هموماً ومشكلات.. فهيا معنا، في توصيلة مع “تاكسي” لبناني.

أين الإنتظار؟

تخرج قاصداً بيروت، العاصمة، ومركز المال والعلم والأعمال في نظام يفترض أن يقوم على اللامركزية الإدارية، فتغرق في أولى المشكلات “أين الإنتظار؟”.. في غيابٍ شبه تام للمحطات التي تنتظر فيها وسيلة النقل والتي يطول قدومها، ومهما كان الطقس، حارّاً أو ممطراً لن تجد في معظم الحالات ما يمكن أن يحميك (إلاّ شي شجرة طالعة بالغلط).

التاكسي اللبناني

يأتيك الفرج بعد المعاناة، ويصل التاكسي اللبناني الأصلي بعلامته الفارقة: “سيارة مرسيدس”، وهنا نتحدث طبعاً عن معظم السائقين. معظم سيارات المرسيدس التي تصول وتجول في البلاد هي من أيام “الفورد أبو دعسة” ما غيرها، منها تلك التي لا تمتلك واجهة أمامية مثلاً تذكرك بدبابةٍ خارجة من معركةٍ ضارية، أو أخرى تحمل لوحتها الأمامية أرقاماً تختلف عن تلك التي تحملها اللوحة الخلفية. وإذا كان يوم حظك الكبير تستقل سيارةً لا يكون سائقها “حكوجياً” وهو النوع الذي يروي لك قصة حياته ومشكلاته وأحداث الحرب الأهليّة أو حتى العالميّة (إذا كانت ع إيامو).. وهناك نوع آخر المتدين الذي يسمعكَ رغماً عن أنفك الشعائر الدينية الخاصة بديانته.

علامة لبنانية مميزة

على امتداد الطريق وبدون استثناء تستضيفك العلامة اللبنانية المميزة: “الجورة”. وهذه الميزة الخاصة ببلدنا تتنوع حجماً وشكلاً وتأثيراً بين الصغيرة على جانب الطريق التي قد لا تؤثر بك أو تلك التي تشبه حفرة ناجمة عن إصطدام الكواكب ببعضها.. وبالطبع تواجهك المطبات المتنوعة المصممة خصيصاً لكسر الملل من طول الطريق فتزودك بشعور “مدينة الملاهي” بفارق وحيد وهو غياب السلامة العامة والأمان. ولإضافة بعض المؤثرات الخاصة، السمعية والبصرية، تصادفك إحدى “العجقات” المتوفرة بكثرة على طرقاتنا، لتعطيك فكرة لا تقبل الشك عن شعب متحضر شكلاً، متخلف مضموناً، فلو حاول السائق تغيير مساره مستعملاً الإشارة يتحول أستاذ الجامعة أو الطبيب مثلاً الى مكبرٍ للصوت ينهال عليك بوابل من الشتائم… ويمكنك أيضاً في خضم العجقة أن تستمع الى معزوفة “الزمامير”. زمور ينقر “وما بيشيل إيده عنه غير ما يحترق” يفترض انه سيحل المشكلة ويفتح الطريق… ولتكتمل فصول الرواية، يأتيك شرطي سير يعتبر نفسه مخلوقاً فضائياً يحق له التحكم بالناس بدلاً من أداء وظيفته الأساسية لتسهيل أمورهم ومرورهم، فيفتح الطريق أمام من يشاء ويترك من لا يعجبه منتظرا.ً

مين بيدلّك

بيروت، الصيفي، شارع رقم78، بناية “شوكتلي”، هو العنوان المفترض أن يوصلك الى مكاتب جريدة “حبر لبناني”، لو كان نظامنا يقوم على “برنامج ملاحة” واضح كما في البلدان الأخرى. ولكن ما من سائقٍ سيوصلك الى الجريدة مع هذه التفاصيل سيهزء منك ويطلب أن تدلّه بوضوح”أكثر”: “حد بيت الكتائب”، فيجيب: “هيك من الأول..!!” فمن الذي يجب أن يدلّ الآخر، السائق أم الراكب؟

%d bloggers like this: